الشيخ محمد هادي معرفة

501

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بحث أصولي آخر : لا تعارض بين القطعيات لامتناع تعارض أدلّة الكتاب والسنّة بعضها بالنظر إلى بعض في نفس الأمر ، بل التعارض إنّما يمكن أن يتحقّق بين الظّنّيات كالأخبار الآحاد بعضها بالنسبة إلى بعض ، أو بينها وبين المتواترات القطعية بكلا الوجهين أو بأحدهما ، وقلّما يوجد الاحتمالان الأخيران بخلاف الأول أو المتعارض بينها كثير ، وحينئذٍ إمّا يمكن التوفيق بينهما أولا ، فإن أمكن وجب ، سواء كان أحد الطرفين أرجح بأحد وجوه التراجيح المذكورة في مظانّه أو لا ، وذلك لأنّ الأخبار الآحاد تفيد الظنّ ، ووجوه الترجيح يفيد غلبته ، وهي لا ينفي احتمال صحّة الطرف المرجوح ، إذ ربما كان هذا الطرف صحيحا ، فلهذا ترى المحدّثين يبذلون جُهدهم في الجمع بين النصوص المتخالفة ، ويتكلّفون في بيان التوفيق غاية التكلّف ، ولو لم يراع هذا الطريق يلزم طرح كثير من الأمارات بمحض التعارض بين ظواهرها من غير داعٍ يدعوه وسبب يقضيه ، وإن لم يمكن التوفيق بينها يعتبر الراجح ويطرح المرجوح ، وإن كانت متساوية في الجميع يعبّر عنه بالتعادل . فهذا ممّا اختلف فيه ، فذهب الأكثرون إلى أنّ للمجتهد العمل بالتخيير بأيّ الطرفين شاء لئلّا يقع تضييع الأمارتين رأسا ، وحكم الآخرون بتساقطهما للتمسّك بالبراءة الأصلية لأنّ التخيير يفضي إلى الترجيح المحال ، بمعنى أنّه لا يمكن وقوع التخيير للمجتهد ، وكون الأمارتين بالنظر إليه متساويتين من غير رجحان أحدهما على الآخر . وأمّا كونهما متساويين في الواقع فممّا لا سبيل إلى العلم به بل نعلم عدم تساويهما في الواقع إذ نعلم بالضرورة عدم التناقض بين أقوال النبيّ صلى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السلام بحسب الواقع ، وهذا قول سديد ورأي متين . بحث فلسفي : كما أنّ لأنواع مدركات البصر أحكاما متباينة وآثارا متخالفة - بعضها يوجب السرور والانبساط كما في رؤية الألوان التي تسرّ الناظرين والأزهار والأوراد والرياحين ، وبعضها يورث الرحم والانعطاف كما في رؤية سقيم متروب ، وبعضها يورث البكاء كما في رؤية قتيل مصلوب ، وبعضها يورث الإغماء كما في تلقّي عدوّ قاهر وسبع